مقدمة

تعرف حوكمة الشركات بأنها مجموعة السياسات الداخلية التي تنظم الهيكل المؤسسي والعمليات والأشخاص، بما يكفل خدمة مصالح المساهمين وسائر أصحاب المصلحة، كالبنوك والعملاء والعاملين وغيرهم، من خلال توجيه أنشطة إدارة الأعمال والرقابة عليها وفقا لمبادئ الموضوعية والمساءلة والنزاهة. ولم تعد حوكمة الشركات خيارا تنظيميا فحسب، بل غدت معيارا مؤسسيا لقياس استقرار الشركات وقدرتها على النمو واستقطاب الاستثمار. وتسند هذه المنظومة إلى توزيع واضح للاختصاصات وضوابط رقابية فعالة تكفل سلامة القرارات المؤسسية المتخذة.

 

كما أولت المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، اهتماما بتطوير الأطر القانونية والمؤسسية اللازمة لتطبيق مبادئ حوكمة الشركات في الشركات العامة والخاصة، سواء أكانت أسهمها متداولة أم غير متداولة في أسواق المال. بما يعزز الثقة في أسواق المال ويرسخ مبادئ الإدارة الرشيدة.

 


حوكمة الشركات في الأردن

كرس المشرع الأردني مبدأ حوكمة الشركات في الفقرة الثانية من المادة 151 من قانون الشركات الأردني، التي تناولت أهم معايير الحوكمة من الجوانب المؤسسية والإدارية والمحاسبية، وأحالت آلية تطبيق قواعد الحوكمة إلى تعليمات يصدرها الوزير بناء على تنسيب المراقب.


وفي هذا السياق، يقتضي مبدأ الحوكمة بيان مدى إلزام الشركات باتباع مبادئها؛ ومن ثم يثور التساؤل حول الطبيعة القانونية لتبنّي تلك المبادئ: أهي مجرد توصية أم التزام قانوني واجب التطبيق؟


وللإجابة عن ذلك، يتعين الرجوع إلى النصوص ذات الصلة. إذ تقضي المادة 151 من قانون الشركات الأردني بالتزام شركات المساهمة العامة باتباع تعليمات الحوكمة. وتنفيذا لهذه الغاية، صدرت تعليمات قواعد حوكمة الشركات المساهمة لسنة 2024. وقد حددت المادة الثالثة من تلك التعليمات الشركات التي تسري عليها أحكامها، وهي شركة المساهمة العامة وشركة المساهمة الخاصة التي يزيد رأس مالها المكتتب به على 500 ألف دينار أردني. وعليه، فإن الأصل العام عدم وجود التزام قانوني على الشركات باتباع قواعد الحوكمة، باستثناء شركات المساهمة العامة والخاصة المشمولة بهذه التعليمات. ويشار كذلك إلى صدور دليل عن دائرة مراقبة الشركات، بالتعاون مع مؤسسة التمويل الدولية، لبيان آليات التنفيذ والتطبيق والرقابة. ويفهم من ذلك أن نطاق الإلزام تحدده صفة الشركة ورأس مالها وفقا لأحكام التعليمات النافذة.


إن اتباع قواعد الحوكمة بصورة سليمة ومنظمة، سواء في عقد الشركة أم في نظامها الداخلي، يسهم في تجنب المنازعات الجوهرية بين الشركاء، والتي قد تفضي في بعض الحالات إلى فسخ الشركة. ويثور ذلك، على وجه الخصوص، عند تساوي شريكين في نسبة الملكية واختلافهما في اتخاذ قرار معين. ومن ثم فإن تطبيق قواعد الحوكمة يحد من وصول الشركات إلى مرحلة المنازعة القضائية التي قد تنتهي بفسخها، إذ يعد تعذر استمرار الشركة بسبب الخلافات من أسباب اللجوء إلى القضاء لطلب فسخها. كما تدعم هذه القواعد وضوح المسؤوليات وتكامل الصلاحيات وتعزز الثقة في آليات اتخاذ القرار داخل الشركة.


حددت تعليمات الحوكمة عددا من القواعد الواجب اتباعها في حوكمة الشركات، من خلال بيان مفهوم العضو المستقل، وحالات وجوب تعيينه، والمجالس التي نص عليها القانون وآلية عملها، إضافة إلى اللجان الدائمة والمؤقتة، وتعيين مدقق الحسابات، وبيان صلاحيات الإدارة. وعند الالتزام بهذه القواعد، تتوافر للشركة منظومة حوكمة قادرة على اتخاذ قرارات دقيقة وواضحة، وعلى تطوير أعمالها بصورة منظمة مع الحد من النزاعات الداخلية بين أعضائها. وفيما يلي إيضاح لأهم هذه المبادئ والقواعد لتيسير تطبيقها على الشركات وتحقيق المنافع المترتبة عليها. وتسهم هذه المنظومة في رفع كفاءة الأداء وتحقيق التوازن بين الرقابة والإدارة والمساءلة.





●    العضو المستقل

العضو المستقل أداة لتحقيق التوازن في الصلاحيات داخل مجلس الإدارة، وهو شخص محايد لا تربطه بالشركة مصالح إدارية أو مالية من شأنها التأثير في استقلاليته. ويختلف عدد الأعضاء المستقلين الواجب تضمينهم في المجلس بحسب عدد أعضائه، وذلك على النحو الآتي:

1. إذا كان عدد أعضاء مجلس الإدارة لا يتجاوز سبعة أعضاء، وجب أن يضم المجلس عضواً مستقلاً واحداً.

2. إذا زاد عدد أعضاء مجلس الإدارة على سبعة أعضاء، وجب أن يضم المجلس ثلاثة أعضاء مستقلين.

وفي كلتا الحالتين، يجب مراعاة عقد الشركة ونظامها الأساسي، إذ قد ينص أي منهما على عدد أكبر من الأعضاء المستقلين وفقاً لحاجة الشركة إلى ذوي الخبرة والكفاءة لتحقيق مصالحها. وعند الإخلال بهذا التنظيم أو تعذر تطبيقه، يجب إعلام مراقب الشركات وبيان الأسباب الموجبة لذلك.




●    انتفاء صفة الاستقلالية

تنتفي صفة الاستقلالية عن عضو المجلس في الحالات الآتية:

1. وجود صلة قرابة مع أي من أعضاء المجلس الطبيعيين، أو ممثل الشركة، أو أي من موظفي الإدارة التنفيذية العليا.

2. وجود مصالح أو أعمال تجارية أو علاقات للعضو أو لأي من أقاربه قد تؤثر في أدائه لمهامه أو تتعارض مع مصالح الشركة.

3. عمله حالياً أو سابقاً لدى الشركة أو لدى شركة تابعة لها خلال السنوات الثلاث السابقة لتاريخ ترشيحه لعضوية المجلس.

4. تملكه نسبة خمسة بالمئة أو أكثر من رأس مال الشركة مع تمتعه بالسيطرة عليها.

5. كونه شريكاً أو موظفاً لدى مدقق حسابات الشركة الخارجي خلال السنوات الثلاث السابقة لترشحه لعضوية المجلس.


ويجب مراعاة تمثيل المرأة في المجلس بنسبة لا تقل عن 20% من مجموع أعضائه، وبما لا يقل عن مقعد واحد. ولضمان الاستقلالية، يتعين على كل راغب في الترشح عضوا مستقلا أن يقدم للمراقب إقرارا بعدم توافر أي من الحالات المشار إليها أعلاه. ويجب المحافظة على الاستقلالية طوال مدة العضوية، فإذا انتفت وجب إبلاغ المجلس خطيا وفورا. وإذا فقد العضو المستقل أحد شروط الاستقلالية عقب فوزه، يعرض الأمر على الهيئة العامة لاتخاذ قرار بإعادة الانتخاب والتصويت أو باعتبار المرشح التالي من حيث عدد الأصوات فائزا. ويكفل ذلك سلامة تشكيل المجلس واستمرار فاعلية الرقابة المستقلة على أعماله وقراراته.






●    واجبات إضافية للمجلس

يتعين على المجلس، انطلاقا من دوره التنظيمي والإداري، القيام بالواجبات الآتية:

1. إعداد أنظمة داخلية لتنظيم الشؤون المالية والمحاسبية والإدارية خلال أربعة أشهر تلي انتخابه، تتضمن واجبات وصلاحيات المجلس واللجان الواجب تشكيلها، وتزويد مراقب الشركات بنسخة منها عند الطلب.

2. اعتماد سياسات للرقابة الداخلية وإدارة المخاطر في الشركة، وسياسات للإبلاغ عن المخالفات التي تمس مصالحها.

3. إعداد مدونة للسلوك المهني للعاملين، والتحقق من التزامهم بها، بما في ذلك سياسات المكافآت والحوافز.

4. وضع آليات لتقييم أداء أعضاء المجلس ولجانه، وإدراج برامج تدريبية متعلقة بقواعد الحوكمة.

5. إعداد تقرير سنوي يبين مدى التزام الشركة بقواعد الحوكمة، وتزويد دائرة مراقبة الشركات بنسخة منه خلال أربعة أشهر من انتهاء السنة المالية، مرفقاً بكشف يتضمن أعضاء الإدارة التنفيذية ومناصبهم وأي تعديلات تطرأ عليها.



●    اللجان الدائمة

توجب التعليمات على المجلس تشكيل لجان دائمة من بين أعضائه أو من غيرهم، وذلك على النحو الآتي:


أولا: لجنة التدقيق، ومن أبرز المهام التي تتولاها ما يلي:

1. مراجعة القوائم المالية والسياسات المحاسبية والتحقق من سلامتها، والتنسب باعتمادها.

2. بحث كل ما يتعلق بعمل مدقق الحسابات الخارجي، ومناقشته في المسائل التي تراها ضرورية، والتحقق من استمرار استقلاليته.

3. وضع سياسات واستراتيجيات تكفل تعزيز الرقابة الداخلية وتنظيم معاملات الشركة مع الأطراف ذوي العلاقة.


ثانيا: لجنة المكافآت والترشيحات، ومن أبرز المهام التي تتولاها ما يلي:

1. التحقق المستمر من استقلالية أعضاء المجلس.

2. التنسيب للمجلس بشأن سياسة الرواتب والمكافآت والحوافز ومراجعتها.

3. وضع السياسات والوصف الوظيفي لمهام الرئيس وأعضاء المجلس والإدارة التنفيذية العليا.



وتتألف كل لجنة دائمة من ثلاثة أعضاء على الأقل من ذوي الخبرات اللازمة، على أن يكون من بينهم عضو مستقل يتولى رئاسة اللجنة. وتتخذ توصياتها وقراراتها بأغلبية الأعضاء، وتجتمع بصورة دورية بما لا يقل عن مرة كل ثلاثة أشهر، وفقا لمصلحة الشركة. وتدون اجتماعاتها وقراراتها وتوصياتها وفق الأصول المعتمدة بما يعزز المساءلة المؤسسية والشفافية.


ومن أبرز صلاحيات اللجان الدائمة طلب المشورة القانونية أو المالية أو الفنية من أي مستشار أو خبير خارجي، وطلب الإيضاحات أو المعلومات أو البيانات اللازمة من موظفي الشركة. وتلتزم الشركة بوضع الموارد الضرورية تحت تصرف اللجان لتمكينها من أداء مهامها. ويجوز لها الاستعانة بهم بالقدر اللازم لتمكينها من أداء اختصاصاتها على نحو مهني ومستقل.




●    اللجان المؤقتة

للمجلس صلاحية تشكيل لجان مؤقتة بحسب الحاجة للقيام بمهام محددة ولمدة معينة، على أن يبين قرار تشكيلها مدة عملها وصلاحياتها وسائر الشؤون المتصلة بها.




●    مدقق الحسابات

مدقق الحسابات هو الشخص الذي اجتاز الامتحان المقرر قانونا، ويمارس المهنة لحسابه أو لحساب الغير، ويكون مسجلا وفقا للأصول. وعند تعيين مدقق الحسابات، يجب مراعاة الشروط الآتية:

1- ألا يكون مؤسساً أو مساهماً بصورة مباشرة أو غير مباشرة في الشركة، أو عضواً في مجلسها، أو شريكاً لأي من أعضاء المجلس، أو عاملاً لديه.

2- ألا يقدم للشركة أعمالاً أخرى من شأنها التأثير في استقلاليته.

3- ألا يعين المدقق في الإدارة التنفيذية العليا للشركة إلا بعد مضي سنة على الأقل من تركه العمل بصفته مدققاً.

4- ألا ينتخب مدققاً للشركة لأكثر من أربع سنوات متتالية.


●     الإفصاح والشفافية

يجب على الشركات مراعاة الإفصاح والشفافية من خلال وضع سياسة خاصة تحدد آليات الإفصاح ونطاقه، والأشخاص المخولين بالإفصاح، والمعلومات الجوهرية المتعلقة بالشركة، وتزويد دائرة مراقبة الشركات بنسخة من تلك السياسة.


●     حماية حقوق الأقلية وآليات التخارج المنظمة

يقصد بالأقلية، في هذا الإطار، المساهمون الذين يملكون نسبة محدودة من رأس مال الشركة مقارنة بباقي المساهمين. وتتمتع هذه الفئة بالحقوق المقررة للأغلبية من حيث الاطلاع على المعلومات والوثائق الأساسية للشركة والتصويت على القرارات المهمة. وعند غياب الأحكام الناظمة لحقوق الأقلية، قد تترتب آثار إدارية سلبية، من أبرزها: وتتطلب الحماية الفعالة لهذه الحقوق تمكين الأقلية من ممارسة دورها دون تعسف أو تمييز.

1. تغول الأغلبية في ممارسة السلطة.

2. حرمان الأقلية من حقوقها، بما يزيد المنازعات داخل الشركة.

3. ضعف الحوكمة وتراجع جودة اتخاذ القرار بسبب محدودية الآراء.

4. تقليص فرص الاستثمار، إذ يولي المستثمرون اهتماماً أكبر لبيئة العمل الأكثر حماية للحقوق.

وعليه، تعد حماية هذه الحقوق ركناً من أركان الحوكمة الرشيدة التي تعزز نمو الشركة واستدامتها دون إقصاء فئة لمصلحة أخرى.

وفيما يتعلق بالتخارج، أي بيع الحصص، تسري أحكامه على مختلف أنواع الشركات. وقد وردت ضوابط وأحكام خاصة بالأقلية، كمنحها أولوية شراء حصص الشريك المغادر، ومنحها حق التخارج عند عدم موافقتها على القرارات الجوهرية المتعلقة بتحويل الشركة أو تصفيتها أو اندماجها في شركة أخرى. ولا يجوز، في أي حال، حرمان الأقلية من التخارج أو التعويض عند إخلال باقي الشركاء بالقانون. وتراعى في ذلك حقوق الشركاء والقيود النظامية والإجراءات القانونية المقررة لكل نوع من الشركات.

ويؤدي غياب التنظيم السليم إلى منازعات قد تتفاقم إلى خصومات قضائية، ولا سيما عند عدم وضوح الأحكام المتعلقة بالتخارج، كتحديد قيمة الحصة. كما يزعزع ذلك استقرار ملكية الأسهم ويصعب استرداد العوض في الوقت المناسب. لذلك، تبرز أهمية إفراد أحكام واضحة تكفل حقوق الأقلية وتنظم آليات التخارج بما يحد من فرص التنازع. ويستلزم ذلك تحديد إجراءات عادلة وشفافة لتقييم الحصص وتسوية الحقوق المالية عند التخارج.



●     تشجيع المساهمين

يتعين على المجلس تشجيع المساهمين على الاضطلاع بدور فعال وحقيقي، من خلال تسهيل حضور الاجتماعات، واختيار مكان انعقاد مناسب، وتمكينهم من مناقشة القرارات والتصويت عليها، وإرفاق جميع البيانات والوثائق ذات الصلة بالموضوعات التي ستعرض على اجتماعات الهيئة العامة. وترسل الدعوات إلى المساهمين بالوسائل الإلكترونية التي يحددها المجلس.


●     تحديد صلاحيات الإدارة

يعد تحديد صلاحيات الإدارة والمفوضين بالتوقيع تحديدا واضحا ودقيقا حجر الأساس في بناء شركة خاضعة لأحكام الحوكمة والحد من المنازعات الداخلية والخارجية. ويتعين على الشركة أن تحدد في عقد تأسيسها الأشخاص المفوضين بالتوقيع ونطاق تفويضهم، سواء تعلق ذلك بالشؤون المالية أو القانونية أو الإدارية. كما يجب أن يبين النظام الداخلي بدقة الصلاحيات الممنوحة لكل من المدير أو المفوض بالتوقيع. ومن الأمثلة أن تستلزم بعض التصرفات التي تحمل الشركة التزاما ماليا معينا توقيع المدير والمفوض بالتوقيع والمدير المالي، بما يحقق رقابة دقيقة على أعمال الشركة. ويسهم تحديد الصلاحيات بوضوح في الحد من المسؤولية عن تجاوزها داخليا وخارجيا. ويتعين كذلك مراجعة هذه الصلاحيات دوريا لضمان ملاءمتها لطبيعة أعمال الشركة وحجم التزاماتها.




ختاما، تتجاوز حوكمة الشركات كونها التزاما شكليا لتكون ركيزة أساسية لضمان استدامة الشركات وتعزيز الثقة بها. ومن ثم فإن الالتزام بقواعد الحوكمة وتفعيلها واعتماد إطار منظم لها لا يهدف إلى الامتثال للتعليمات فحسب، بل إلى بناء بنية مؤسسية مستقرة تحد من النزاعات وتعزز الثقة الاستثمارية، بما ينعكس إيجابا على الاقتصاد ككل. وهو ما يدعم استمرارية النشاط ويحسن إدارة المخاطر ويعزز قدرتها على المنافسة والنمو.